العيني

39

عمدة القاري

بسم الله الرحمن الرحيم 8 ( ( كِتَابُ الصَّلاَةِ ) ) أي : هذا كتاب في بيان أحكام الصلاة ، وارتفع : كتاب ، على أنه خبر مبتدأ محذوف كما قدرناه ، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ، أي : كتاب الصلاة هذا ، ويجوز أن ينتصب على تقدير خذ كتاب الصلاة ، وقد مضى تفسير الكتاب مرة . ولما فرغ من بيان الطهارة التي منها شروط الصلاة ، شرع في بيان الصلاة التي هي المشروطة . فلذلك أخرها عن الطهارات ، لأن شرط الشيء يسبقه ، وحكمه يعقبه ، ثم معنى الصلاة في اللغة الغالبة الدعاء . قال تعالى : * ( وصل عليهم ) * ( : ) أي : ادع لهم . وفي الحديث ، في إجابة الدعوة : ( وإن كان صائماً فليصل ) أي : فليدع لهم بالخير والبركة . وقيل : هي مشتقة من : صليت العود على النار : إذا قومته . قال النووي : هذا باطل ، لأن لام ، الكلمة في : الصلاة : واو ، بدليل الصلوات ، وفي : صليت : فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية ؟ قلت : دعواه بالبطلان غير صحيحة ، لأن اشتراط اتفاق الحروف الأصلية في الاشتقاق الصغير دون الكبير والأكبر ، فإن قلت : لو كانت واوية كان ينبغي أن يقال : صلوت ، ولم يقل ذلك . قلت : هذا لا ينفي أن تكون واوية لأنهم يقلبون : الواو ياء إذا وقعت رابعة . وقيل ؛ الصلاة مشتقة من : الصلوين ، تثنية : الصلا ، وهو ما عن يمين الذنب وشماله ، قاله الجوهري . قلت : هما العظمان الناتئان عند العجيزة ، وذلك لأن المصلي يحرك صلويه في الركوع والسجود . وقيل : مشتقة من المصلى ، وهو الفرس الثاني من خيل السباق ، لأن رأسه تلي صلوي السابق . وقيل : أصلها من التعظيم ، وسميت العبادة المخصوصة : صلاة ، لما فيها من تعظيم الرب . وقيل : من الرحمة ، وقيل : من التقرب ، من قولهم : شاة مصلية ، وهي التي قربت إلى النار . وقيل : من اللزوم ، قال الزجاج : يقال : صلى واصطلى : إذا لزم . وقيل : هي الإقبال على الشيء . وأنكر غير واحد بعض هذه الاشتقاقات لاختلاف لام الكلمة في بعض هذه الأقوال ، فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف . قلت : قد أجبنا الآن عن ذلك . وأما معناها الشرعي : فهي عبارة عن الأركان المعهودة والأفعال المخصوصة . وقد ذكر بعضهم وجه المناسبة بين أبواب كتاب الصلاة ، وهي تزيد على عشرين نوعاً في هذا الموضع ، ثم قال : آخر ما ظهر من مناسبة ترتيب كتاب الصلاة في هذا الجامع الصحيح ، ولم يتعرض أحد من الشراح لذلك . قلت : نحن نذكر وجه المناسبة بين كل بابين من هذه الأبواب بما يفوق ذلك على ما ذكره ، يظهر ذلك عند المقابلة ، وذكرها في موضعها أنسب وأوقع في الذهن وأقرب إلى الصواب ، وبا التوفيق . 1 ( ( بابُ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلواتُ في الإسْراءِ ) ) أي : هذا باب في بيان كيفية فرضية الصلاة في ليلة الإسراء ، وفي رواية الكشميهني والمستملي : ( كيف فرضت الصلوات ) ، بالجمع ، واختلفوا في المعراج والإسراء هل كانا في ليلة واحدة أو في ليلتين ؟ وهل كانا جميعاً في اليقظة أو في المنام ؟ أو أحدهما في اليقظة والآخر في المنام ؟ فقيل : إن الإسراء كان مرتين : مرة بروحه مناماً ، ومرة بروحه وبدنه يقظة . ومنهم من يدعي تعدد الإسراء في اليقظة أيضاً ، حتى قال : إنه أربع إسراآت ، وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة ، ووفق أبو شامة في روايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد ، فجعل ثلاث إسراآت مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق ، ومرة من مكة إلى السماوات على البراق أيضاً . ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات . وجمهور السلف والخلف على الإسراء كان ببدنه وروحه . وأما من مكة إلى بيت المقدس فبنص القرآن ، وكان في السنة الثانية عشرة من النبوة ؛ وفي رواية البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري أه أسري به قبل خروجه إلى المدينة بسنة ، وعن السدي قبل مهاجرته بستة عشر شهراً ، فعلى قوله يكون الإسراء في شهر ذي القعدة ، وعلى قول الزهري : يكون في ربيع الأول . وقيل : كان الإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب ، وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرو المقدسي في سيرته ، ومنهم من يزعم أنه كان في أول ليلة جمعة من شهر رجب ، وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة ، ولا أصل لها ، ثم قيل : كان قبل موت أبي طالب . وذكر ابن الجوزي أنه كان بعد موته في سنة اثنتي عشرة للنبوة ،